شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الفشل الوحيد للشؤون المعنوية

الفشل الوحيد للشؤون المعنوية
بينما كان الرئيس مرسي يتوج أول عام من حكمه لمصر بخطاب تاريخي، يتكلم فيه بثقة الرؤساء عن كل صغيرة وكبيرة في البلد، كان وزير دفاعه يجلس أمامه، عابس الوجه شارد الذهن

بينما كان الرئيس مرسي يتوج أول عام من حكمه لمصر بخطاب تاريخي، يتكلم فيه بثقة الرؤساء عن كل صغيرة وكبيرة في البلد، كان وزير دفاعه يجلس أمامه، عابس الوجه شارد الذهن.. فالفريق كان غارقًا في التفكير في مصير الرجل، الذي وضعته الأقدار بين يديه، ولم يفق الفريق من غفوته إلا على صوت الرئيس وهو يقول: (احنا عندنا رجالة زي الدهب في الجيش).. ماذا يقصد الرئيس؟ إنه ربما يقصد ذلك الشخص الذي منحه رتبة فريق أول وعينه وزيرًا للدفاع، ولذا تحامل الوزير على التصفيق، ولكن في فتور شديد، فقد كان على يقين أن هذه هي آخر مرة سيضطر فيها للتصفيق لهذا الرئيس.

قبل الخطاب مباشرة، كان الوزير قد وضع اللمسات الأخيره -مع باقي قادة الجيش والمعارضة- على خطة عزل الرئيس؛ ليجد مرسي نفسه بعدها سجينًا في قبضة “الرجالة”، ورغم أن هذه العملية تدخل في باب الخيانة العظمى لدستور البلاد، الذي أقسم الوزير على احترامه، إلا أن الشؤون المعنوية قد نجحت في تسويقها لزبائنها على أنها ثورة شعبية.

لم يكن نجاح الشؤون المعنوية في خطة 30 يونيو محصورًا في خداع الإخوان والإسلاميين فحسب، ولكن تعداه لخداع كل القوى التي شاركت في ثورة يناير، وبفضل عبقرية الشؤون المعنوية كان الإسلاميون يظنون أن الجيش في صفهم، والعلمانيون واللبراليون يحسبون أن السيسي في جيبهم، حتى إن محمد البرادعي (إله ما يسمى بالقوى المدنية عند قدماء المصريين)، دخل قصر الرئاسة على ظهر دبابة، وهو يتخيل نفسه أنه يقوم بدور الأخ العقيد معمر القذافي، في ثورة الفاتح من سبتمبر، ونسي صاحب نوبل أن أولى الناس بإنجاز الدبابة هو الجنرال الذي حرك الدبابة؛ فهو الوريث الشرعي والوحيد للأخ العقيد.

لم تكن المجموعات الثورية الشبابية بأوفر حظًّا من الآخرين؛ فقد لعبت الشؤون المعنوية بعقول شبابها، بعد أن أوهمتهم بأنهم سيصبحون “رموزًا” لثورتين، بدلاً من ثورة واحدة، فاختلط النقاء الثوري بوحل الانتهازية وتلوثت العذرية الثورية بالعمل تحت قيادة الفلول، وفي خلطة عبقرية استطاعت الشؤون المعنوية جعلهم يحملون نظام مبارك -الذي ثاروا عليه- على أكتافهم إلى الحكم مرة ثانية.

وإذا كانت مناورة 30 يونيو تعد أكبر عملية خداع استراتيجي في تاريخ الجيش المصري فإن الشؤون المعنوية خاضت بعدها -بنجاح- تجربة أخرى أكثر صعوبة وأشد تعقيدًا؛ ألا وهي صناعة (زعيم) من شخص الفريق المتواضع.. تلا ذلك نجاحات أخرى من قبيل إقناع زبائنها بأن الجيش قد توصل لاختراع جهاز يعالج الإيدز وفيروس سي (جهاز اللواء أح. عبد العاطي)؛ حتى إن بعض المرضى كان يشعر بالكفتة تسري في عروقه، قبل أن يتناول العلاج أو يرى الجهاز.

أما المشاريع القومية الكبرى مثل المليون وحدة سكنية وعربيات الخضار وشبكة المواصلات الجديدة والعاصمة الجديدة وقناة السويس الجديدة، فقد استطاعت الشؤون المعنوية إقناع قطاع واسع من المصريين بأن مجرد التشكيك في نتائج هذه المشاريع يعد خيانة للوطن، وأن الإيمان بنتائجها الوهمية يدخل في باب الإيمان بالغيب وما وراء الطبيعة.

ورغم كل هذه النجاحات المتوالية فإن الشؤون المعنوية قد فشلت فشلاً ذريعًا، في إنجاز مهمة واحدة، قد تهدد كل إنجازاتها السابقة؛ حيث أخفقت حتى الآن، في محو آثار مذبحة رابعة العدوية، من نفوس الجيل الذي شهدها من المصريين، فضلاً عن أنها  أعجزعن اقتلاع ذكرها، من نفوس الأجيال التي ستليه؛ فما زالت بقعة الدم تتسع يومًا بعد يوم، وتفوح رائحتها، وما عدت تكفي كل الحيل لغسلها، وإن كانت صحف الشؤون المعنوية قد مسحت “أرشيف ثورة ينايرة” من مواقعها؛ فإنها قطعًا لن تستطيع محو “أرشيف المذبحة” من ذاكرة التاريخ، والذي أصبح معروفًا للعالم كله بالصوت والصورة.

والعقل يقول إنه كان يمكن للسيسي أن يصبح رئيسًا دون أن يسفك كل هذه الدماء؛ فهناك ألف طريق للرئاسة غير المذابح أمام رجل (عسكري): يؤيده الجيش، والشرطة، والقضاء، والإعلام، والمعارضة، والأحزاب؛ في مواجة رجل (مدني) لا يؤيده إلا مواطنون عزل، والعقل أيضًا يقول: إنه كانت هناك ألف طريقة أخرى لفض اعتصام رابعة دون إراقة كل هذه الدماء البريئة، بلا سبب؛ إلا حبًّا في القتل وتلذذًا بسفك الدماء، ومن يستطيع أن يقنع المصريين أن قتل طفلة كأسماء البلتاجي كان عملاً بطوليًّا؟ أو أن قتل فتاة كحبيبة عبد العزيز كان إنجازًا عسكريًّا؟

تحاول الأذرع الإعلامية -وكذلك بعض اليائسين- تصوير تلك الشريحة من المصريين التي ترفض “سفك الدماء” على أنها قلة قليلة ولكن الحقيقية هي أن هذه الشريحة تمثل الأغلبية من المصريين، وإن كانت صامتة ولو استجابت هذه “الأغلبية” لدعاوى الحرب الأهلية، التي يضخها عليهم إعلام الشؤون المعنوية على مدى عامين كاملين لما بقي في مصر حجر على حجر.

وما صمْت “الأغلبية المصرية” على جريمة رابعة وأخواتها، إلا كصمت الألمان على جرائم هتلر، وفظائع النازية أو كصمت الإيطاليين، على جرائم موسوليني، وفظائع الفاشية ولما حانت الفرصة لهذه الشعوب أن تتكلم بما في نفوسها؛ فإنها لم تذكر هؤلاء القادة إلا باللعنات، وأحط الصفات.. هذا رغم أن هتلر وموسيليني كان لديهما أقوى جهاز للشؤون المعنوية في أوروبا كلها.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023