شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

الإعلام اللبناني حين يصاب بذعر الديموغرافيا

الإعلام اللبناني حين يصاب بذعر الديموغرافيا
متى أجرى لبنان آخر إحصاء للسكّان؟ في العام 1932، تخبرنا مقدّمة نشرة الأخبار المسائيّة على شاشة "المؤسسة اللبنانيّة للإرسال"، أمس. وسط السجال المستجدّ حول "الديموغرافيا" عشيّة الجلسة التشريعيّة المنتظرة غداً، أقرّت النشرة.....

متى أجرى لبنان آخر إحصاء للسكّان؟ في العام 1932، تخبرنا مقدّمة نشرة الأخبار المسائيّة على شاشة “المؤسسة اللبنانيّة للإرسال”، أمس. وسط السجال المستجدّ حول “الديموغرافيا” عشيّة الجلسة التشريعيّة المنتظرة غداً، أقرّت النشرة أنّ المَخرَج في مسألة قانونَيْ “استعادة الجنسيّة”، و “منح المرأة اللبنانية لأولادها وزوجها”، ليس “بمواصلة العدّ، بل بدولة علمانيّة ومدنيّة”.

بعد المقدّمة، تقريرٌ أوّل في النشرة عن الفرق بين أحجام “الكتل المسيحيّة وفعاليّتها في البرلمان”، من إعداد ندى أندراوس عزيز، يليه تقرير لفتون رعد، يذكّر أنّ الحرب الأهليّة انتهت، لكنّ الدشم ما زالت جاثمة في عقول اللبنانيين وقلوبهم. استعادت رعد في تقريرها مقابلات أجراها زميلها إدمون ساسين قبل أيّام، مع مهاجرين لبنانيين في البحر، قالوا لكاميرا القناة إنّهم سيرمون جوازات سفرهم في الماء، لأنّ البلد لم تتسع لأمثالهم.

كان ذلك أمس، الثلاثاء. أمس الأوّل، الاثنين، افتتحت “أل بي سي آي” نشرتها بمرافعة غاضبة حول “الميثاقيّة”، تلاها تقرير لعزيز يشرّح الموضوع من باب “وزن الكتل المسيحيّة”. في النشرة ذاتها، تقرير من إعداد ساسين يفنّد “المفاعيل الديموغرافيّة الكبيرة” في حال مُنِحَت المرأة أحد حقوقها الدستوريّة كمواطنة بالتساوي مع الرجل المواطن. بحسب التقرير، سيؤدّي قانون منح الجنسيّة، إن أُقِرّ، إلى تجنيس “380 ألف شخص غير لبنانيين”، تقريباً. أقلّ من 8,5 في المئة من عدد سكّان لبنان (إن افترضنا أنّ اللبنانيين 4,5 مليون محظوظ ومحظوظة يحملون جنسيّة الجرذان والذباب والدود). يتابع ساسين: “هناك 76 ألف امرأة لبنانيّة متزوّجة من غير لبناني. 4800 امرأة لبنانيّة متزوّجات من فلسطينيين. أكثر من 84 ألف فلسطيني سينالون الجنسيّة اللبنانيّة في حال أقرّ القانون”. بغضّ النظر عن دقّة الأرقام أو عدمها، هل يمكن تصنيف هذه المعطيات، في لغة علم السكان، ضمن خانة “المفاعيل الديموغرافيّة الكبيرة”؟ أم أنّ الذعر الأقلّاوي يضخّم أيّ رقم مهما كان صغيراً، ويجعله خانقاً وقاتلاً؟

قيل الكثير عن التنافر في نبرة التقارير الإخباريّة التي تعرض على شاشة “أل بي سي آي” سواء بين نشرة وأخرى، أو حتّى في النشرة الواحدة. تنافرٌ يؤشّر إلى معاناة القناة ممّا يمكن وصفه، باضطراب ثنائي القطب، إن استعرنا من معجم الطبّ النفسي (وهو معجمٌ رائج في أدبيّات توصيف أداء الإعلام اللبناني). التشخيص دقيق على الأرجح، أمام الأعراض التالية: يوم نحصي المسيحيين والمسلمين واللاجئين، وفي اليوم التالي ننادي بالتوقّف عن العدّ. يومٌ لا نرى خجلاً في المجاهرة بهواجس مذهبيّة انعزاليّة وإقصائيّة، وفي اليوم التالي نخجل.

في 27 تشرين الأوّل الماضي، استضافت ندى أندراوس عزيز في “نهاركم سعيد” رئيس “حركة الأرض” طلال الدويهي، للحديث عن بيع الأراضي، وعن هجرة الشباب، وعن بطش إدارات المدارس الكاثوليكيّة. استعرضت الحالة المعيشيّة الصعبة لـ “الشعب المسيحي الكادح”، كما وصفته، ونادت بكركي بالتدخّل لوقف “البزنس” في المدارس. في الحلقة ذاتها، عرّجت على موضوع الديموغرافيا، وسردت قصّة مواطن اتصل بالبرنامج، يشكي راهبةً عابت عليه إنجابه أربعة أولاد، حين وجد صعوبة في دفع الأقساط لمدرستها. وعلّقت عزيز: “كتير عم تشجعوا المسيحيين يبقوا بالشرق!”، وطالبت بكركي بـ “استدعاء” الراهبة المعنيّة التي كان يجب أن تشجّع الرجل على “إنجاب خامس”، بحسب تعبيرها. كما احتجّت مع ضيفها على بيع الأراضي لأجانب، وعلى عدم نيل اللبنانيين (المسيحيين) وظائف كافية بسبب منافسة اللاجئين، ساخرةً بشكل مبطّن ممن قد يصفون كلامها ذلك بالعنصري.

عُرضت الحلقة المشار إليها من “نهاركم سعيد”، بعد سلسلة حلقات تلفزيونيّة مباشرة، استضافت خلالها عزيز ناشطين في الحراك المطلبي، ونقابيين، للحديث عن حقوق جميع اللبنانيين الذين يختارون الهجرة، ويعانون من صعوبات في دفع أقساط المدارس، ويشمّون رائحة النفايات ذاتها.

لا يشذّ كلّ ما سبق عن نمط طرح اجتزائي، بات راسخاً في بعض الإعلام اللبناني، المصاب بـ “ذعر الديموغرافيا”. كانت “أم تي في” السبّاقة في ترسيخ ذلك النمط، من خلال سلسلة تقارير اشتهرت بها المراسلة المخضرمة دنيز رحمه فخري. قناة المرّ لم تهجر ذعرها المعهود، فقبل يومين عرضت حلقة من برنامج “تحقيق” قدّمتها كلود أبو ناضر هندي، بعنوان “نسبة الولادات لدى السوريين تتضاعف”. لا حاجة لسرد مجريات الحلقة، فالعنوان كافٍ لتحديد وجهتها. “فصيلة اللاجئين” تتكاثر، وذلك يهدّد “ميثاقيّة التعايش اللبناني”، لأنّ “المسيحيين” لا يتكاثرون كفايةً.

المؤسف، أنّ سقطات المذهبيّة والعنصريّة وتصنيف البشر بحسب معدّلات إنجابهم، تشهد صعوداً غير مسبوق على الشاشة اللبنانيّة. خطاب “الذعر الديموغرافي” الذي كان يقال بخفرٍ، بات اليوم يقال جهاراً، بكلّ ما يتضمّنه من كراهية، ورغبات إقصائيّة.

إعلاميّون كثر، ومنهم من يتمتع بسيرة مهنيّة طويلة ومتينة، يفقدون توازنهم عند أوّل اختبار “طائفيّ”، يتعلّقون بهويّاتهم المذهبيّة، يسارعون لتوظيف “المعطيات والأرقام”، لصالح “العشيرة”. نفَسُ التقسيم جاثم فوق مشهد الإعلام اللبناني اليوم، بشكل أوضح من أيّ وقت مضى، رغم سياسة “الألوان” و “التعدّد”، ورغم طوفان القمامة الجامع. يرتضي صحافيون وإعلاميّون كثر أن يكونوا مجرّد ناطقين باسم أبناء الطائفة. يتنازلون عن مصداقيّتهم، لصالح ما يرون أنّه هويّتهم الأصليّة الحقّة. صحيح أنّ آلاف العائلات تعاني بسبب عدم حمل الأبناء لجنسيّة أمهاتهم ــ معاناة تبدأ من التسجيل في المدرسة، ولا تنتهي بإلزاميّة السفر الدوري خارج البلاد، وتعذّر الحصول على ضمان صحّي ــ لكنّ تلك المعاناة تسقط كمعطى مهنيّ موضوعي، أمام اعتبارات “الميثاقيّة”.

تُلصق بملفّ ملحّ كحقّ اللبنانية بمنح جنسيّتها لأفراد أسرتها، وصمة طائفيّة، هي معبر إلزاميّ لتعطيل أيّ مشروع تغيير حقيقي. يتحوّل حقّ المرأة، إلى مادّة للسخرية، على لسان المشرّعين، كما فعل النائب هادي حبيش أمس، حين سئل عن الملفّ، فضحك، قائلاً إنّه يرفض القانون، “ولكن ليس من باب رفض حقوق النساء”، على حدّ تعبيره، مع ابتسامة ذكوريّة ساخرة مزهوّة بنفسها. يندرج قانون الجنسيّة في جوهر المعارك التشريعية لمنح النساء اللبنانيّات بعضاً من حقوقهنّ المهدورة، وإذا به يصير مادّة للمزايدات الطائفيّة والإعلاميّة، و “بالأرقام”، كما في ملفّ تزويج القاصرات، أو الاغتصاب الزوجيّ، أو الزواج المدنيّ

على المنوال ذاته، يجري الدفاع عن الخطاب العنصريّ في الإعلام، بتحويل التمييز الفجّ بحقّ اللاجئين إلى مادّة للفكاهة السمجة. فحساب معدّلات إنجاب البشر، كما تحتسب عند الفئران أو البقر مثلاً، أمر يجب أن يكون مرفوضاً بالمطلق، لكنّه قد يصبح مبرّراً وقابلاً للنقاش، لا بل “مهضوماً وحذقاً”، كرمى لطمأنة الخوف المذهبيّ الأقلويّ الكامن، من أيّ مجهول آتٍ ليبتلعه. يمكن أن يأخذ ذلك المجهول صورة أطفال يموتون في الخيم من البرد، لا مشكلة، المهمّ تهدئة “ذعر الديموغرافيا”.



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023