شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

نعم نستطيع – محمد على يوسف

نعم نستطيع – محمد على يوسف
دوما ما كان يلفت انتباهى هذا الشعار الذى صاحب حملة الرئيس الأمريكى باراك أوباما خصوصا مع اهتمامى القديم بالخصائص المجتمعية...

دوما ما كان يلفت انتباهى هذا الشعار الذى صاحب حملة الرئيس الأمريكى باراك أوباما خصوصا مع اهتمامى القديم بالخصائص المجتمعية للولايات المتحدة الأمريكية و طبيعتها المتباينة و كيف ان وجود رئيس زنجى و من اصول مسلمة كان يعد أمرا مستبعدا تماما داخل المجتمع الأمريكى حتى وقت قريب

إختار أوباما و حملته هذا الشعار الذى أعتبره شعارا فى منتهى العبقرية خاصة أنه يستفز مكامن الرغبة فى التغيير و يستثير طاقات التحدى الموجودة داخل الإنسان ليثبت لنفسه على الأقل أنه فعلا قادر على التغيير

فرح الشعب الأمريكى بتنصيب أوباما رئيسا كان يتخطى مجرد الفرح برئيس منتخب جديد لكنه كان يبدو للمراقب عن كثب فرحا بإثبات هذه القدرة و الفوز بهذا التحدى
لقد صار لأمريكا و لأول مرة فى تاريخها رئيس ملون و من أصول إسلامية يدل عليها بوضوح إسمه الأوسط و هو شىء لم يكن ليتوقعه كثير من أصدقائى الذين يعيشون فى الولايات المتحدة لأبعاد يطول المقام لذكرها و لا أجد له ضرورة الآن

ما أريد أن أخرج به هو قيمة الشعار الفكرية التى نحتاج أن نتوقف أمامها طويلا
قيمة " نعم نستطيع"
قيمة الإحساس بالثقة و عدم العجز

إنها قيمة للأسف يغفل عنها أو يتغافل عنها كثير من سوداويى النظرة رغم أن العجيب أننا أولى الناس بها و لا نحتاج لاستيرادها مطلقا
فديننا و معتقدنا يؤكد تلك القيمة و يدعو إليها بشكل مطرد يتجلى ذلك واضحا فى قوله صلى الله عليه و سلم " استعن بالله و لا تعجز "

تأمل الكلمة المختصرة الجامعة المانعة
لا تعجز
و كيف يعجز من ركن إلى الله و لاذ بحماه و استمد من لدنه السند و البأس
كيف يعجز من ألقى بحموله و همومه و آماله و أحلامه أمام مولاه و طلب منه الغوث و المعونة
لذا تجد النبى صلى الله عليه و سلم فى موطن آخر يقول " أعجز الناس من عجز عن الدعاء "
فإنسان قطع الصلة بينه و بين ملاذه و سنده جدير بأن يهتز و يعجز و تتراخى ثقته و يهن عزمه
أما المسلم الموصول بربه المتوكل عليه توكلا مقرونا بالبذل و التفانى قدر وسعه فحرى به ألا يعجز أبدا و تكون حياته دوما تفعيلا عمليا لتلك القيمة الراقية
" نعم نستطيع "
و على هذا المنوال نجد الأمثلة كثيرة من هدى الأنبياء فى القرآن الكريم
فتارة تنبهر نفسك بكلمة موسى عليه السلام التى أطاش بها عجز بنى إسرائيل حين لحق بهم فرعون و حصرهم إلى البحر فقالوا إنا لمدركون فما كان من موسى – رغم أنه لم يكن يدرك من أين سيأتى الفرج – إلا أن قال " كلا إن معى ربى سيهدين "

و تارة أخرى تمس قلبك كلمة أب حزين على فقد ولده لعشرات السنين لم تستطع أن تحفر لليأس ممرا فى قلبه فقال بصةت يتهدج بالأمل :" يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "

و تارة ثالثة تقف مشدوها بين يدى نبى الله هود و هو يقف فى مواجهة أعتى قوة مادية على وجه الأرض فى زمانه و يصدع فى وجه إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد قائلا "إِنّيَ أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوَاْ أَنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُمْ مّا مِن دَآبّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنّ رَبّي عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ"

و تارة رابعة و خامسة وسادسة إلى ما شاء الله من النماذج و الأمثلة التى تتوالى تترا و يرسخ بها القرآن فى قلوبنا هذا المبدأ و تلك القيمة الراقية
قيمة المثابرة و العزم الذى لا ينثنى مهما كانت الظروف و المعطيات و لا يعجز أو ييأس مهما كانت التحديات و العوائق قائلا لنفسه دائما : أنت تستطيع …….. نعم تستطيع

يونس عليه السلام فى بطن الحوت و فى خضم الابتلاء لم ييأس أو يعجز أو يركن لخوف أو إحباط بل سبّح و تاب و اعترف و تضرع إلى ربه فأنجاه من الكرب الذى هو فيه " فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ "

و كذا فعل أيوب عليه السلام حين مسه الضر و وقع به البلاء فقال " أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ"

و أيضا فعل نوح عليه السلام حين بنى سفينته فى صحراء لا تقربها إلا أمواج السخرية و التلاسن التى يقذفها عليه قومه فتتهشم على صخرة عزيمته و إصراره و جلده و هو يرد عليهم بكل قوة " إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ"

للأسف الشديد كثير من الناس يستصعبون تلك القيمة و تأبى نفوسهم إلا الراحة و الدعة فيتعاملون من منطلق العجز و الهوان لأنه أسهل و أكثر راحة ربما دون أن يشعروا
و ما أسهل أن يختار الإنسان الركون إلى الراحة بحجة أنه لا فائدة و المسألة كما يقولون " خربانة خربانة " أو كما يحلو للبعض بدلا من إيقاد شمعة البذل الاكتفاء بلعن ظلام العجز قائلا " ياكش تولع"

و هذا هو أقصى ما يريده عدوك منك
أن تنكسر عينك و أن يقصف قلمك و أن يخرس لسانك
أن تنهزم و تخفض رأسك و تنحنى عاجزا محبطا تنهشك ذئاب اليأس و تأتى على ما تبقى منك ضباع العجز فلا تتركك إلا حطام إنسان ليس فيك من الحياة إلا النبض و النفس و ما هى بحياة فلا حياة مع اليأس و لا يأس مع الحياة كما قال مصطفى كامل رحمه الله
هذه الحالة من الموات الروحى كانت أكثر ما أخشى على أمتى منه منذ أيام معدودات و قبل ظهور نتيجة الانتخابات الرئاسية
ليس لأنها نهاية المطاف و لا لأنها غاية الأمانى
أبدا ……….

و لكن لتوقعى أن تنكسر نفوس كثير من الشباب إذا ما جاء إلى سدة الحكم بعد ثورة أحيا الله بها قلوبا من موات اليأس و الإحباط رجلا أقل ما يمكن أن يوصف به حكمه أنه ………….. لا تغيير

إن أخطر ما كان يبثه النظام القديم فى نفوس المصريين عن طريق أجهزته المختلفة إعلاميا و أمنيا و بشكل ممنهج و فعال هو ذلك الإحباط و الانكسار الذى هو أشد ضررا على الشعوب من أعتى الأسلحة

أن يفقد الإنسان الأمل و الثقة و أن ينعدم لديه الطموح فى التغيير و أن يترسخ فى وعيه أنه لا يستطيع
هذا أكثر ما كنت أخشى وقوعه مرة أخرى و ليس ما كان يتردد حول عودة القمع و الأذى و الاستبداد فكل ذلك فى تقديرى أنه لو عاد فى مواجهة نفوس قوية لا تتزعزع فإنه كما قلت آنفا سيتحطم على صخرتها و يزول إن آجلا أو عاجلا إن شاء الله

إن قتل الحلم و الأمل فى القلوب جريمة لا تقل قسوتها – لا حكمها – فى نظرى عن قتل النفس التى حرم الله قتلها و إن البعض لا يستنكف أن يئد تلك الأحلام و الآمال دون أن يطرف له جفن بدعوى واقعية المزعومة و ربما لا يدرك هؤلاء أنهم بوأدهم لتلك الأحلام و الآمال فى نفوس الشباب يصنعون جيلا منبطحا يائسا يعانى من سفول الهمة و دنو الغاية مستسلم لقهر الإحباط و تسيطر عليه مرة أخرى مشاعر السخط و الرغبة فى الفرار من واقعه الذى فقد الأمل فى تغييره

المعركة الحقيقية هى معركة النفوس و قدرتها على التحمل و الصمود و عدم التردى فى دركات الضعف التى ذكرها ربنا متتابعة فى قوله " وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"

وهن ثم ضعف ثم شلل كامل و عجز سماه ربنا استكانة عياذا بالله
أرى أن أهم ما يمكن أن نتعلمه من كل تلك النماذج و آخرها تلك التجربة التى نعيشها و التى حرص كثيرون – و لا يزالون – على التشكيك فى إمكانية حدوثها أننا بفضل الله و عونه و قوته نستطيع و أن التغيير ممكن و ليس مستحيلا
قد تختلف مع الاختيار و ربما تكون قد تمنيت اختيارا مختلفا لكن تبقى القيمة التى أتحدث عنها و الأهم فى رأيى و التى لا ينبغى أن نسمح لأحد أبدا أن ينتزعها منا مهما كان الثمن
قيمة …… أن الأمر ممكن

و نعم…………………. نستطيع

المصدر: رصد



X

تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2020