شبكة رصد الإخبارية
follow us in feedly

دولة الشلة وجمهورية العصابة ـ أحمد عطية

دولة الشلة وجمهورية العصابة ـ أحمد عطية
مفهوم الدولة لم يعد له وجود فى مصر منذ ما عرف بثورة 23 يوليو 1952، فهذه الثورة كانت انقلابا على الشرعية الملكية التى كانت تحكم...

مفهوم الدولة لم يعد له وجود فى مصر منذ ما عرف بثورة 23 يوليو 1952، فهذه الثورة كانت انقلابا على الشرعية الملكية التى كانت تحكم البلاد آنذاك. قد يكون الحكم الملكى شهد سلبيات خاصة فيما يتعلق بتوزيع الثروة التى تركزت بشكل كبير فى أيدى الباشوات والباكوات وهم يمثلون نسبة ضئيلة مقابل شعب فقير جائع، وقد يكون تأييد الشعب ووقوفه خلف ما حدث هو الذى حول الانقلاب إلى ثورة، وهذا هو المحور الرئيسى الذى لعب عليه جمال عبد الناصر، فقد انتزع الثروات بشكل غير قانونى ليعطيها للفقراء، خاصة العمال والفلاحين، لكن تبقى كلمة لابد أن نؤكد عليها، وهى أن النظام الملكى الحاكم فى مصر قبل انقلاب 23 يوليو كان أرقى بكثير من النظام الديكتاتورى الذى اخترعه عبد الناصر ومن التفوا حوله، والذى لا نستطيع أن نطلق عليه مصطلح "نظام" لا من الناحية السياسية ولا القانونية.

وما لبثت شلة عبد الناصر أو بطانة السوء أن زينت له ما تتطلع إليه لتحقيق مصالحها، ووزعت المناصب فى إطار تلك العصابة، بل استولى هؤلاء على عقارات وأراضٍ تم تأميمها، وسحبت من أصحابها ظلما وعدوانا، وبعضهم لم يكونوا مصريين، ولا يعقل أن يكونوا قد نهبوا هذه الممتلكات أو سرقوها، وإنما كونوها بجهدهم وعرقهم، ولم يكن يصح لا شرعا ولا قانونا الاستيلاء عليها منهم.

مفهوم الشلة سار عليه السادات، خاصة بعد الانقلاب الذى قام به على انقلاب عبد الناصر فيما عرف بثورة التصحيح فى 15 مايو 1971، والتى لم تكن أكثر من عملية بهلوانية لاستبعاد من يخشى منهم السادات ومن لا يروقون له، واستبدالهم بمن يثق فيهم ويأمن جانبهم، وكان كل هدفه القضاء على نفوذ ما عُرف بمراكز القوى التى تمتعت بقدر كبير من السلطات فى عهد عبد الناصر.

ومن أبرز الشخصيات التى تم إبعادها:

نائب رئيس الجمهورية على صبرى.

وزير الدفاع محمد فوزى.

وزير الداخلية شعراوى جمعة.

وزير الإعلام محمد فائق.

رئيس البرلمان محمد لبيب شقير.

سكرتير رئيس الجمهورية سامى شرف.

وقيل إن هؤلاء حاولوا القيام بانقلاب على نظام الحكم، واستطاع السادات كشف مخططهم وقام بمحاصرتهم وإلقاء القبض عليهم داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون.

تبنى حسنى مبارك نفس المفهوم تحت ستار الحزب الوطنى الذى كان ستارا لتلك الشلة أو العصابة التى تدافع عن حكمه وعن بقائه، وتزور له الانتخابات، وتفعل له كل ما يريد وما لا يريد، ولولا تلك العصابة إضافة إلى الاجهزة الامنية لما بقى شخص مثل مبارك – ليس لديه من المؤهلات ما يمكنه من أن يصبح عمدة قرية من القرى – كل هذه السنوات يتربع على عرش مصر.

وإذا كان التعريف الاصطلاحى للدولة بأنها شعب مستقر على إقليم معين، وخاضع لسلطة سياسية معينة، أى لا بد لقيام أية دولة من: شعب، وإقليم، وسلطة، فإن الشعب المصرى موجود والأرض أو الإقليم موجود أيضا، لكن ظلت إشكالية مصر على مدار 60 عاما تدور حول العنصر الثالث، وهو السلطة.

وإذا كان المنظرون قد تناولوا فكرة العَقد الاجتماعى بين الحاكم والمحكومين، بمعنى أن المحكومين تنازلوا طواعية عن سلطاتهم للحاكم مقابل أن يقوم على خدمتهم والدفاع عن بلادهم ضد أى عدوان خارجى، فإن الحكام الثلاثة الذين تولوا المسئولية منذ انقلاب أو ثورة 23 يوليو لم يخدموا الشعب، بل سلبوه حريته، وبعضهم سرق ونهب وسخر المصريين دون مقابل. وهذا عكس ما ذهب إليه "جون لوك" الذى يقول إن العقد الاجتماعى بين الشعب من جانب والحاكم من جانب آخر لم يتنازل فيه الأفراد عن كل حقوقهم، بل فقط القدر اللازم لإقامة السلطة، وبالتالى أصبحت سلطة الحاكم مقيدة وأن الشعب ملزم بواجب الطاعة تجاه الحاكم، طالما أنه يعمل فى الحدود التى رسمها العقد، فإذا جاوزها إلى غيرها كان للشعب حق مقاومته، بل وعزله من منصبه.

لكن هذا العقد فى "دولة الشلة" و"جمهورية العصابة" إن وُجد فهو لطرف واحد اختارته الشلة وفرضته على الشعب، سواء بالتزوير أو بالانقلاب والقهر والبطش والتنكيل، ويحرص هذا المفروض عنوة على أن يؤكد فى كل مرة يظهر فيها أنه هو الحاكم بأمره، ولا يجد حياء فى أن يردد مقولة لويس الرابع عشر ملك فرنسا: «أنا الدولة أو الدولة هى أنا».

والمؤسسات فى جمهورية الشلة أو دولة العصابة ليس هدفها خدمة الشعب وتلبية احتياجاته، وإنما كسر إرادته وممارسة كل الضغوط الممكنة لتعذيبه وإهانته حتى لا يفكر يوما أن يرفع رأسه أو يطالب بحريته، وهذه المؤسسات تقوم خطة عملها واستراتيجيتها على التمكين لزعيم العصابة أو كبير الشلة، فعالم الطرب يغنى له، ووسائل الإعلام تمجد فيه، وتنفق عليها الملايين من أجل ان تسبح بحمد هذا النصاب بكرة وعشيا، والقضاء لا يخرج عن الخط المرسوم، ويتجه أينما اتجه الحاكم، حتى لو كان هذا التوجه فيه مخالفة صريحة للقانون، فالعدالة عنده فى طاعة الحكام وليست فى إعمال القوانين وتطبيقها من أجل معاقبة الظالم وإنصاف المظلوم، والشرطة كل هدفها إذلال المواطنين وإجبارهم على الخضوع لهذا المتكبر الذى لا يؤمن بيوم الحساب.

هكذا مصر منذ عرفت الجمهورية التى تحكم فيها وقلَّم أظفارها العسكر، فأصبح الشعب المصرى بتلك الصورة البائسة التى لم يخرج منها إلا سنة واحدة تولى الحكم فيها رجل فاضل يعرف لمصر مكانتها ويحرص على منح أبنائها حقوقهم، ويحافظ على كرامتهم، وهذا ما فطنت له دولة الشلة وجمهورية العصابة، فعادت إلى طبيعتها – الانقلابات العسكرية – التى ترى أنها الوسيلة الوحيدة لإخضاع المصريين وإذلالهم، وأنها الوسيلة الوحيدة التى تستطيع من خلالها الوصول إلى كرسى الرئاسة وغيره من المناصب، أما صندوق الانتخابات والقوانين والأنظمة المحترمة فلا مكان لها عند هؤلاء الذين نسأل الله أن ينجى البلاد منهم ومن شرورهم، وأن تعود الشرعية التى تعمل من أجل الشعب وتمكينه من العيش الكريم الذى تتوافر له فيه كل الحقوق، دون قمع أو اضطهاد، ودون تلصص أو تجسس، ودون فساد أو طمع وجشع، وما إلى ذلك من القائمين على دولة الشلة وجمهورية العصابة. 



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية 2023